ابن عطاء الله السكندري
49
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
شرح الحكمة : هذه الحكمة تشير إلى الحديث الشريف : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » . إنّ هذا الحديث يبين لنا أن قلب الإنسان هو الأساس ، وإذا كان الأساس سليما يكون البناء الذي هو الجسد سليما ، وهذه الحكمة تبين لنا أن العزلة تنفع في صلاح القلب وتساعده على الاعتبار والتفكر في الكون والمكوّن ، وذكر العلماء عشرة فوائد للعزلة : الأولى : السلامة من آفات اللسان ، فإن من كان وحده لا يجد معه من يكلمه وقد جاء في الخبر : « رحم اللّه عبدا سكت فسلم أو تكلم فغنم » وورد أيضا : « أكثر خطايا ابن آدم في لسانه ، وأكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فيما لا يعنيه » . الفائدة الثانية : حفظ البصر والسلامة من آفات النظر ، قال محمد بن سيرين : إياك وفضول النظر فإنها تؤدي إلى فضول الشهوة » . الفائدة الثالثة : حفظ القلب وصونه عن الرياء والمداهنة وغيرهما ، قال بعض الحكماء : من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم وقع في ما وقعوا فيه فهلك كما هلكوا . الفائدة الرابعة : حصول الزهد في الدنيا والقناعة منها ، وبذلك يحقق حب اللّه تعالى وحب الناس له ، مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ازهد في الدنيا يحبك اللّه وازهد في ما في أيدي الناس يحبك الناس » . الفائدة الخامسة : السلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال ، وفي مخالطتهم فساد عظيم وخطر جسيم ، لأن الصاحب ساحب ، وكما ثبت في الحديث : « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » . الفائدة السادسة : التفرغ للعبادة والذكر والعزم على التقوى والبر ، فالعبد إذا كان وحده تفرّغ لعبادة ربه وانجمع عليها بجوارحه وقلبه وعقله لعدم وجود من يشغله عن ذلك . الفائدة السابعة : وجدان حلاوة الطاعات ولذيذ المناجاة لفراغ سره عن الأغيار التي تشغله عن مولاه . الفائدة الثامنة : راحة القلب والبدن ، فإن في مخلاطة الناس ما يوجب تعب القلب .